|
حكايات لا تستطيع الانتظار
قبل النكبة 1948 كانوا فتيانا أو في مقتبل الشباب.. كان لهم هواء
وفضاء.. كان لهم سماء وأرض .. بحر ونهر.. كنيسة ومسجد .. كان لهم زمان ومكان. بعد
النكبة 1948 أصبحوا لا يملكون من المكان والزمان سوى الذكريات التي صاغوها وأصبحت
حكايات ..
من يلتقط هذه الحكايات ؟؟
يجب البحث عنهم من بيت لبيت نبحث عن تلك الفئة من الناس الذين تم اجتثاثها من
المكان وهاموا من بعد على وجوههم .. كانوا صغار ا وقتئذ، أما اليوم فهم مسنون على
تخوم العمر..إذا عثرت على أحدهم لن يمانع أن يجلس تحت الكاميرا، يتحدث بالساعات ..
أحيانا يبكي .. وأحيانا يضحك .. يغضب يلعن وفي النهاية يلعن أمنيته بأنه يعود..
تنتهي الحكاية.
حكاياهم لا تستطيع الانتظار، لماذا ببساطة لأنك إذا لم تستطع التقاطها اليوم فلن
تستطع التقاطها غدا.
لماذا؟
لأن صاحبها لن يكون موجودا غدا
لماذا؟
لأن الأعمار بيد الله ، أنهم يسقطون الواحد تلو الآخر، فهم يتقدمون في العمر.
أين فلان الفلاني؟
لقد توفي الأسبوع الماضي .. الشهر الماضي
ليتك وصلت مبكرا.. لقد مات كنز القرية.. مات أرشيف القرية.
من الحكايا من لا تستطيع الانتظار.. أذا لم تلتقطها اليوم .. يلتقطها الموت..
يقولون أن أجمل حكايا تلك التي لم نلتقطها بعد
إذا هو سباق مع الموت .. من يحصد الحكاية أو يفوز..نمتلك من هذه الحكايات حتى هذه
اللحظة مئتين وثلاثين حكايا، بواقع 900 ساعة تصوير .. ماذا نفعل بهذا الكنز؟
كثيرا ما يداهمني قبل النوم شريط الحكايا وأقع في عالمه السحري..
أتخيل نفسي مخرجا لفيلم وثائقي يجمع بين سيدتين، وكلتاهما في الثمانين من العمر.
الأولى سيدة بدوية ( خاتمة) من عرب صقرير كانت تسكن على شاطئ البحر الأبيض المتوسط
وتعتقد أنها تملك البحر وأن البحر إله ..أذا لم تمت بعد فهي تسكن ألان في مخيم
البقعة.
والثانية سيدة كانت تسكن في مدينة الرملة ، كانت لاعبة كرة سلة ، وتعتقد أن
مدينتها قطعة من الجنة . إذا لم تمت بعد فهي اليوم تسكن في أجمل أحياء عمان .
وأحيانا أتخيل نفسي مؤرخا .. أعيد صباغة مجزرة الدوايمة و الطنطورة ودير ياسين
والعشرات من المجازر.
قي بعض الليالي يعجبني أن أكون كاتب قصة قصيرة ، وشريط الحكايا يمر بخاطري فأباشر
الكتابة بدون قلم وأنا معلق بين الصحو والهذيان.
و أحيانا أجد نفسي مخرجا مسرحيا .. الملم على خشبة المسرح الضحايا والجلادين
وأجعلهم يتقابلون مجددا ويتحاورون ويسألون الأسئلة الوجودية الكبرى.
وفي بعض الأماسي أتخيل نفسي محاميا فذا، ألملم كل ما وقع تحت يدي من شهادات
لتقديمها أدلة و بينان لتقديمها أمام محكمة الجزاء الدولية ليحاكم أمامها مجرمون
الحرب..
أصحو من النوم ولا أجد نفسي، لا مخرجا ولا كاتبا ولا محاميا ولا ما يحزنون. أستجمع
قواي وأسابق الموت . أينا يجمع الحكايا قبل الآخر.
|