|
قالت شهرزاد (3)
فيحاء عبد الهادي
23/10/2002
ولما كان اليوم الثاني عشر
بعد المائة لنظام منع التجوال، المفروض
على مدينة نابلس الأبية، ذات التاريخ
والهوية، بعد الاجتياح الإسرائيلي الرابع
لمنطقة السيادة الفلسطينية، وفي مساء
الجمعة، الخامس من شعبان من العام ألفين
واثنين للميلاد وفى السنة الثالثة
والعشرين من القرن الرابع عشر للهجرة،
بلغني مقتل امرئ لما تبلغ الستين من
عمرة،بين يديه ولده، وإمام ناظرة زوجة،
وتحت صفف بيتها
ولما لم اكتف بهذا الخبر القصير ، في ذالك
اليوم المرير، ارتو اليوم السعيد ذو الرأي
الرشيد، إن اسمع المزيد فتقضية وعرفت ما
أوجعني، وما أطار لبي و أثار لواع نفسي.
على غير العادة، احترت في البداية، هل
أحدث عن الشهيدة ابنة خالة الهبدة ابنة
خال الشهيدين ابنة عم شهيدات وشهداء الوطن
الجريح في هذا الوطن الكسيح؟أم أقص خبر
الظبية الجميلة، التي قضه وهي ترتع في
الخميلة.
بلغني أيها الجمهور السعيد ذو الرأي
الرشيد أن سيدة لم تكمل الستين من عمرها،
كانت تجلس ساعة الغروب في حديقة بيتها ،
تشعر بالسرور، يبدو على وجهها الحبور، في
يدها خيط حرير تخيط بت قطعة تطريز تراثية،
تذكر بجدتها الكنعانية ، ألوانها لون
شقائق النعمتان والأقحوان، وعروقها عرق
النجوم وقمر النجوم ، ومع كل غرزه تطريز
حيث يتصارع الشر والخير، يتغلب الخير، وفي
خاطرها مذاق فنجان الشاي الذي سيصنعه
ولدها، مع عرق النعناع الذي سيقطفه زوجها،
بانتظار جلسة عائلية، كلها مودة حميمة.
مرت بخاطرها صورة الأولاد، أمل البلاد،
وتعجبت من هذا الزمان العجيب، حيث التواصل
العائلي، مطلب خيالي، فتعكر صفوها، وطارت
أفكارها حيث البلد المشطورة، والشوارع
المحفورة، والطرق الخاوية على عروشها،
والنفايات التي تزين شوارعها، بعد اجتياح
المدينة وتدنيسها، حيث قسمت البلد بالسكين
إلى نصفين، وشطرت إلى شاطرين، وعزلت خمسة
أحياء في الشاطرين في زنزانة انفرادية،
ضمن خطة جهنمية، فأضحت البلاد كالأم
الحزينة التي يشطرون ولدها إمام عينيها،
ويذبحون على مرأى منها، دون إن تستطيع دفع
البلية عن قرة عينها، ودون إن يهب سليمان
الحكيم لإنصافها، أو لرفع الظلم
عنها.وبينما عادت صورة الأولاد، وأولاد
الأولاد، لتتصدر الخاطر والخيال، سمعت صوت
الهاديات الهادر، ينبئ بالهجوم الغادر، ما
جعلها تطلق صرخة مدوية تحدر بها الولد
والزوج من القطيع، خشية من الهجوم المريع.
تسلل الاران إلى الخميلة، لاصطياد الظبية
الجميلة، ولما لم يكن في يد الظبية غير
خيط وإبرة، ولم يكن لديها، درع يحميها، أو
ساتر حديدي يقيها، ضرب الوحش ضربته، وأكمل
جريمته، و أنشب أظفاره، فانقلبت الظبية
على ظهرها، وابتسمت لوالدها وغفت غفوتها.
تخضبت الظبية بألوان الخيط الذي امتشقته،
والمفرش الذي احتضنته، وغطى الحناء بيوت
البلد، وحزن الشيخ والولد، وأحست كل امرأة
وطفلة وصبية بقرب المنية، كان الموت يطرق
الأبواب والنوافذ.
تسربلت المدينة بالحزن وطالبت بالنار، حين
خرجت لوداع شهيدة جبل النار، هتف البعض
بحياتها وبأعمالها الخيرية، وعضويتها
الفاعلة في الجمعة، وفي رئاسة لجنة الحي
الشعبية، وسار البعض واجمين، غير مصدقين،
حتى وصلوا المقبرة الغربية، وأراحوا (شادن)
بجانب ( شادية) ابنة خالتها، التي اشتاقت
إليها، فأحبت جيرتها.
ذات الضحكة الهنية، والهمة الجلية،منذ نيف
وثلاثين سنة، مرت كأنها سنة. تذكروا
إخلاصها لهم، وإخلاصهم لها، سمعوا رنينها،
و منثور ها، و تبوج عينيها. تذكروا كيف
طار النعش فوق المدينة، وكيف طار لب أهلها،
ورفاقها وأصدقائها في البلد الشامخة
الحزينة، لم ينسوا دورها الريادي، وعملها
القيادي، كما أكد أصدقاؤها ورفاقها،
ودونوا شهاداتهم في كتابها.تذكروا الزنبقة
التي كانت، والزيتونة التي مازالت.
وكان أيها الجمهور السعيد ذو الرأي الرشيد،
أن تلاقت اليمامتان، وانهمرت دمعتان،
أحاطتا البلد كأنهما أزهران
ووووووووووووووووو .....
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام
المباح
|